الشيخ علي المشكيني
449
رسائل قرآنى
قوله : جَعَلْنَاكَ ظاهره أنّه إنشاء للخلافة التشريعيّة ، ومنصب النبوّة المنشأ لأجل استعداده الذاتي ، واتّصافه بصفات اللَّه ، وتخلّقه بأخلاقه تعالى . ويمكن كونه إخباراً عن تلك الدرجة من الكمالات النفسانيّة ، فعبّر عنها بخلافة اللَّه ، ولازمه أيضاً جعل النبوّة والخلافة التشريعيّة له ، والمعنى : أنّ اللَّه جعل داود خليفة الماضين من الأنبياء . وقوله : فَاحْكُمْ ظاهر في القضاء بين الناس في الخصومات والمرافعات ، وما يسانخ ذلك ممّا يتصدّاه وليّ الأمر ؛ ففي الآية دلالة على جواز القضاء بين الناس ، ونفوذه ممّن هو منصوب من قِبل اللَّه بلا واسطة أو وسائط . وتدلّ أيضاً على لزوم كون القضاء بالحقّ ، وعدم جواز تبعيّة الهوى لمتصدّي هذا المنصب . ونظيره قوله تعالى : خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا « 1 » . التخاصم والترافع كان صوريّاً لاختبار حال داود ، وقولهما « بغى » فرض وتقدير ، وكأنّهما قالا : نفرض أو افرض أنّنا خصمان . ولا ينافي ذلك الاستدلال لظهور الكلام في ثبوت منصب القضاء لداود ، وجواز الترافع إليه ، ونفوذ قضائه . وقوله : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ « 2 » . وقوله تعالى : وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 3 » . الخطاب للحكّام والولاة ، ويشمل الكلام جميع موارد الحكم ، ومنها القضاء بين المتخاصمين ؛ فيدلّ على جواز القضاء إذا صدر من أهله ، ونفوذه إذا وقع في محلّه . ونظيره قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ « 4 » . وقوله تعالى في ثلاثة مواضع : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَاولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ « 5 » وفَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ « 6 » ، فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ « 7 » .
--> ( 1 ) . ص ( 38 ) : 22 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 48 . ( 3 ) . النساء ( 4 ) : 58 . ( 4 ) . المائدة ( 5 ) : 49 . ( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 44 . ( 6 ) . المائدة ( 5 ) : 45 . ( 7 ) . المائدة ( 5 ) : 47 .